عماد الدين خليل

54

المستشرقون والسيرة النبوية

يمكن أن تكون المسألة نسبيّة ؛ فهو بالمقارنة مع غيره من المستشرقين الذين درسوا السيرة يعدّ - ولا شكّ - أقدرهم على النجاح في هذه المهمة . . ولكنه بالنسبة للمنظور الإسلامي ، الأكثر أصالة واتساعا ، لواقعة السيرة يبدو أسير حشد من الشكوك ، وتخرج الصورة من بين يديه وقد أزيل منها الكثير من مكوّناتها الحقيقية الواقعية ، وأضيف إليها - في الوقت نفسه - بعض ما لم يكن فيها أساسا ! ! وفي قضية ( الوحي ) - على سبيل المثال - تعترضنا - يقول وات - صعوبة صغيرة فيما يتعلق بالتواريخ ؛ فالكلمات التي تختتم أول ما نزل من الوحي : ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) هي من الوحي السابق ، ويفسر المسلمون القول السابق بأنه يعني ( علم استعمال القلم ) ، وليس لهذا من فائدة إذا كان محمد لا يعرف القراءة والكتابة ، ويبدو ( ورقة بن نوفل ) من بين الذين اتصل بهم محمد لسبب معرفته بكتب المسيحية المقدسة . ولا شك أن المقطع القرآني حين ردّده محمد قد ذكره بما هو مدين به لورقة . « ومن المغري ( ! ! ) أن نفكّر بأن هذا كان نتيجة لملاحظة ورقة بصدد الناموس ، ولكن هذا يتطلب وحيا سابقا على مقطع ( اقْرَأْ ) ليغذي تلك الملاحظة ، ولهذا من الأفضل الافتراض بأن محمدا كان قد عقد صلات مستمرة مع ورقة منذ وقت مبكر وتعلم أشياء كثيرة ، وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيرا بأفكار ورقة ، وهذا ما يعود إلى طرح مشكلة العلاقة بين الوحي الذي نزل على محمد والوحي السابق له » « 1 » . وسنعرض فيما بعد لمسألة الأخذ عن ورقة ، وتأثر التعاليم الإسلامية اللاحقة ( كثيرا بأفكاره ) !

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 93 .